الشيخ محمد رشيد رضا
424
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ) وقال في عدم فقههم للقرآن ( 6 : 26 وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) وهذه الآية جمعت حرمانهم لهداية القلوب والاسماع والابصار فهي شاهد لكل ما جاء في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، ومثلها في سورتي الاسراء ( 17 : 45 و 46 ) والكهف ( 18 : 55 ) ولكن الشاهد فيهما على نفي هداية القلوب والاسماع فقط إذ هو المناسب للموضوع ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها أسباب النصر على الأعداء من روحية وعقلية ، واجتماعية وآلية ، التي نصر اللّه بها المؤمنين على الكافرين في عهد الرسول ( ص ) ثم في عهد الخلفاء الراشدين والمدنيين في الاسلام ، وجعل العشرة منهم أهلا لغلب المائة في طور القوة ، والمائة أهلا لغلب المائتين في طور الضعف ، وعلل ذلك بأن الكفار قوم لا يفقهون ( الأنفال 8 : 66 ) وقال في سورة الحشر ( 59 : 13 لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) فمن آيات الدين في المؤمن أن يكون أفقه من الكافر بنظم الحرب وأسباب النصر الصورية والمعنوية وأكمل اتصافا بها ، وتمتعا بثمرها . فأين هذا الايمان ، من مسلمي هذا الزمان ؟ ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها سنن اللّه تعالى في الاجتماع ، وتأثير العقائد الدينية في جمع الكلمة وقوة الجماعات ، ولا سيما في عهد النبوة وزمن المعجزات ، ولا يفقهون بها إدالة اللّه لأهل الحق من أهل الباطل ، بل يحكمون في ذلك بما يبدو لعقولهم القاصرة من الظواهر ، دون ما وراءها من الفقه الباطن ، كما حكاه اللّه تعالى عن المنافقين في آخر سورة التوبة من كونهم لا يزدادون بنزول سور القرآن إلا رجسا أي خبثا ونفاقا ، وكونهم يفتنون ويمتحنون مرارا ، ولا يفيدهم ذلك توبة ولا ادكارا ، حتى إذا ما أنزلت سورة فروا من سماعها فرارا ، لا يخافون أن يراهم اللّه ولكن يخافون أن يراهم المؤمنون ( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) وما حكاه تعالى عنهم في سورتهم من قصر نظرهم وظلمة بصيرتهم إذ توهموا